أنت غير مسجل في ملتقى الرشد . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
الخطب المقترحه من اعداد اللجنة الدعوية
عدد الضغطات : 62,080موقع الشيخ عبد المجيد الهتاري
عدد الضغطات : 2,535

آخر 10 مشاركات تضاعف الهجمات الخبيثة ضد الشركات في 2014 ( آخر رد : الرشد نت - )    <->    واشنطن تطلب مساعدة الصين بعد قرصنة &amp;quot;سوني&amp;quot; ( آخر رد : الرشد نت - )    <->    &amp;quot;سامسونج&amp;quot; تطرح هاتف z1 بنظام &amp;quot;تايزن&amp;quot; في يناير... ( آخر رد : الرشد نت - )    <->    1،5 مليون شخص اختبروا ويندوز 10 ( آخر رد : الرشد نت - )    <->    &amp;quot;جالاكسي أس 6&amp;quot; بشاشة منحنية من الجانبين وجسم معدني ( آخر رد : الرشد نت - )    <->    أوباما يهدد كوريا الشمالية بعد اختراق سوني ( آخر رد : الرشد نت - )    <->    سوني تبيع 16 مليون وحدة من “بلاي ستيشن 4? ( آخر رد : الرشد نت - )    <->    خطبة ترشيد النفقات في أوقات الأزمات ( آخر رد : عبد الله الهتاري - )    <->    بنطال جينز يمنع السرقات الإلكترونية ( آخر رد : الرشد نت - )    <->    إضافات جديدة في تحديث &amp;quot;إنستجرام&amp;quot; ( آخر رد : الرشد نت - )    <->   
العودة   ملتقى الرشد > المنتديات الإسلامية > ملتقى الدعوة والداعيه > منتدى زاد الداعية والخطيب
التسجيل المنتديات موضوع جديد تعليمات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
المنتدى المشاركات الجديدة ردود اليوم مشاهدة المشاركات المشاركة التالية
   
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
قديم 08-05-2010, 06:51 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي خطب مجمعه عن استقبال رمضان (مكتوبه )

خطبة ( استقبال رمضان)
سامي بن خالد الحمود

أما بعد .. عباد الله .. مدرسة ستفتح أبوابها بعد أيام قليلة .. فهل ترى نحيا فندرك هذه المدرسة ونلتحق بها؟ وإذا التحقنا بها هل نخرج منها مع الفائزين أو الخاسرين؟ .
إنها مدرسة رمضان .. مدرسة التقوى والقرآن .. وموسم الرحمة والغفران .. والعتق من النيران .
أيام معدودة وتستقبِل الأمّة هذا الزائرَ المحبوب بفرحٍ غامِر ، وسرورٍ ظاهرٍ .
يا رَمَضان، إنّ يومَ إقبالك لهوَ يومٌ تتفتح له قلوبُنا وصدورُنا، وتمتليء فيه نفوسنا غبطةً وأمَلاً، نستبشر بعودةِ فضائِك الطاهر الذي تسبَح به أرواحُنا بعد جفافِها وركودِها، نستبشر بساعةِ صلحٍ مع الطاعاتِ بعدَ طول إعراضِنا وإباقنا، أعاننا الله على بِرِّك ورفدِك، فكم تاقت لك الأرواحُ وهفَت لشدوِ أذانِك الآذانُ وهمَت سحائبُك الندِيّة هتّانةً بالرّحمة والغفران .
عبادَ الله، مَن مِنَ المسلمين لا يعرِف فضلَ هذا الشهرِ وقدرَه، فهو سيِّد الشهور وخيرُها، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، من صامه وقامه غفِر له ما تقدَّم من ذنبِه، فيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألفِ شهر، وقد ثبت في الصحيحَين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَن صام رمَضان إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدَّم من ذنبه .
إن بلوغ رمضان نعمة عظيمة ، وفضل كبير من الله تعالى ، حتى إن العبد ببلوغ رمضان وصيامه وقيامه يسبق الشهداء في سبيل الله الذين لم يدركوا رمضان .
فعن طلحة بن عبيدالله أن رجلين من بلى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا فكان أحدهما أشدَ اجتهادا من الآخر ، فغزا المجتهد منهما فاستشهد ، ثم مكث الآخر بعده سنة ، ثم توفي ، قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة ، إذا أنا بهما فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخر منهما ، ثم خرج فأذن للذي استشهد ، ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس ، فعجبوا لذلك ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدثوه الحديث ، فقال: من أي ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله ، هذا كان أشد الرجلين اجتهادا ثم استشهد ، ودخل هذا الآخر الجنة قبله!!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى . قال: وأدرك رمضان ، فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة ، قالوا: بلى . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض . رواه ابن ماجه وصححه الألباني .
الله أكبر .. إنه رمضان شهرُ المرابح ، زائرٌ زاهر، وشهر عاطِر، فضلُه ظاهر، بالخيراتِ زاخر، فحُثّوا حزمَ جزمِكم، وأروا الله خيرًا مِن أنفسكم، فبالجدّ فاز من فاز، وبالعزم جازَ مَن جاز، واعلَموا أنّ من دام كسله خاب أمله، وتحقَّق فشله، تقول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله يجتهِد في رمضانَ ما لا يجتهِد في غيره. أخرجه مسلم[1].
رمضان .. شهرُ القبول والسّعود ، والعتقِ والجود ، والترقّي والصّعود، فيا خسارة أهلِ الرّقود والصّدود، فعن أنس رضي الله عنه قال النبيّ : ((قال الله عزّ وجلّ: إذا تقرب العبد إلي شبرًا تقرّبت إليه ذِراعًا، وإذا تقرّب مني ذراعًا تقرّبت منه باعًا، وإذا أتاني مشيًا أتيته هرولة)) أخرجه البخاري .
هذا نسيم القَبول هبّ، هذا سيلُ الخير صَبّ، هذا باب الخير مفتوح لمن أحبّ، هذا الشّيطان كبّ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله قال: ((إذا جاء رمضانُ فتِّحت أبوابُ الجنة، وغلقت أبواب النّار، وصفِّدت الشياطين)) متّفق عليه، وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إذا كانت أوّلُ ليلة مِن رمضان صُفّدت الشياطين ومردة الجن، وغلِّقت أبوابُ النار فلم يفتَح منها باب، وفتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلَق منها باب، ونادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغيَ الشرّ أقصِر، ولله عتقاء من النّار، وذلك كلَّ ليلة)) أخرجه ابن ماجه.
أيها الأحبة .. قرُب منا رمضان فكم قريب لنا فقدناه، وكم عزيز علينا دفنّاه، وكم حبيب لنا في اللحد أضجعناه. فيا من ألِف الذنوبَ وأجرمَا، يا مَن غدا على زلاّته متندِّمَا، تُب فدونك المنى والمغنمَا، والله يحبّ أن يجود ويرحمَا، ويُنيلَ التّائبين فضلَه تكرُّمًا .
يا من أوردَ نفسَه مشارعَ البوَار، وأسامَها في مسارح الخَسار، وأقامَها في المعَاصي والأوزار، وجعلها على شَفا جُرفٍ هار، كم في كتابك من زَلل، كم في عملِك من خلَل، كم ضيّعتَ واجبًا وفرضًا، كم نقضتَ عهدًا محكمًا نقضًا، كم أتيتَ حرامًا صريحًا محضًا، فبادِر التّوبة ما دمتَ في زمن الإنظار، واستدرِك فائتًا قبل أن لا تُقال العِثار، وأقلِع عن الذنوب والأوزار، وأظهِر النّدم والاستغفار، فإنّ الله يبسُط يده بالنّهار ليتوبَ مسيء الليل، ويبسط يدَه باللّيل ليتوبَ مسيء النّهار.
يا أسيرَ المعاصي، يا سجينَ المخازي، هذا شهرٌ يُفَكّ فيه العاني، ويعتَق فيه الجاني، ويتجَاوَز عن العاصي، فبادِر الفرصَة، وحاذِر الفوتَة، ولا تكن ممّن أبى، وخرج رمضان ولم ينَل فيه الغفرانَ والمُنى، صعد رسول الله المنبَر فقال: ((آمينَ آمينَ آمين))، فقيل: يا رسول الله، إنّك صعدت المنبر فقلت: آمين آمين آمين!! فقال : ((إنّ جبريلَ عليه السلام أتاني فقال: مَن أدرك شهرَ رمضانَ فلم يُغفَر له فدخَل النار فأبعَده الله قل: آمين، قلت: آمين)) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان .
يا من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة .. هذا موسم تفتح فيه الجنان وتغلق فيه أبواب النيران.
عباد الله .. كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة، وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة، لا الشاب هنا ينتهي عن الصبوة، ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فليتحق بالصفوة.
أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة، إذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة، وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع والبصائر؟! أما لنا فيهم أسوة؟!
حينَما يستقبِل المسلم موسمًا يرجو غنيمَتَه فإنّه يجب عليه ابتداءً تفقُّدُ نفسِه ومراجعةُ عملِه ، حتى لا يتلبَّس بشيءٍ من الحوائِلِ والموانِعِ التي تحول بينَه وبين قبولِ العمَل ، أو تُلحِق النقصَ فيه؛ إذ ما الفائِدة من تشميرٍ مهدورٍ أجرُه وعمَلٍ يرجَى ثوابه فيلحقُ وِزره؟! فعلى العبد الصائم أن يتفقه في دينِ الله ، ويجتنب الذنوبِ والمعاصي ومحبِطات الأعمال ، ويحرص على إعفافُ الجوارح .
قال ابن رجب رحمه الله: "واعلَم أنه لا يتِمّ التقربُ إلى الله بتركِ هذه الشهواتِ المباحَة أصلاً في غيرِ حالِ الصيام إلاَّ بعد التقرُّب إليه بتركِ ما حرّم الله في كلّ حالٍ كالكذب والظلمِ والعدوان على الناس في دمائِهم وأموالهم وأعراضهم". الخ كلامه رحمه الله .
وإذا كان الأمر كذلك ، فليحذر الصائم مما أعدّه أهلُ الانحلال ودعاةُ الفساد والضّلال، من برامج مضِلّة ، ومشاهدَ مخِلّة، قومٌ مفسدون لا يبَالون ذمًّا، ومضلون لا يخافون لَومًا، ومجرِمون لا يراعون فطرًا ولا صومًا ، عدوانًا وظلمًا، جرَّعوا الشباب مسمومَ الشّراب، وما زادوهم غيرَ تتبيب، وتدميرٍ وتخريب .
يا هؤلاء .. إن رمضان خيرُ الشّهور، فحذارِ حذار من انتهاكِ حرمتِه، وتدنيس شرفِه، وانتقاصِ مكانتِه، يقول رسول الهدى : ((من لم يَدَع قولَ الزّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابه)) أخرجه البخاري[6].
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه .
عباد الله .. هذا هو رمضانُ .. شهرُ تزكيةِ النفوس وتربيتِها ، أعظم القرُبات فيه : الصومُ الذي افترضه الله تعالى تحقيقًا للتّقوى .. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) .. والتّقوى حساسيّةٌ في الضمير ، وصَفاء في الشعورِ ، وشفافيّة في النفس ، ومراقبةٌ لله تعالى، فالصّوم ينمِّي الشعورَ بالمراقبة ، ويزكِّي النفس بالطاعة.
أمَّا ثواب الصائمين فذاك أمرٌ مردُّه إلى الكريم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ قال: ((قال الله عزّ وجلّ: كلُّ عمَلِ ابنِ آدم له إلاَّ الصّوم، فإنه لي وأنا أجزِي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صومِ أحدكم فلا يرفث ولا يسخَب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتَله فليقُل: إني امرُؤ صائم. والذي نفس محمّد بيده، لخلوفُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله يومَ القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرِح بفطره، وإذا لقيَ ربَّه فرح بصومه)) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عندهما: ((يدع طعامَه وشرابه وشهوتَه من أجلي)) ، وفي صحيح مسلم أنّ النبيّ قال: ((ورمضانُ إلى رمضان مكفِّرات لما بينهنّ إذا اجتُنِبت الكبائر)).
فاتقوا الله عباد الله .. واحرصوا على النية الصالحة والعزم الجاد على الاجتهاد في طاعة الله في رمضان .. وحري بأفراد الأسرة ، والقرابة ، والجيران ، وزملاء المهنة ، أن يتواصوا بالحق ، ويتعاونوا على أعمال البر والتقوى في هذا الموسم المبارك ، أسأل الله تعالى أن يمن علينا ببلوغه ويحسن عملنا فيه .
وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية وأزكى البشرية فقد أمركم الله بذلك فقال : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً )
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم..
اللهم أيقظنا من سبات الغفلات قبل الممات، اللهم كما هديتنا للإسلام فثبتنا عليه حتى نلقاك وأنت راض عنا غيرُ غضبان .
اللهم بلغنا رمضان ، وأعنا على صيامه وقيامه وإتمامه، ووفقنا للقيام بحقك فيه وفي غيره، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك ، صوابًا على سنة نبيك .







رد مع اقتباس
قديم 08-05-2010, 07:41 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو الحمزه المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي

استقبال رمضان
سعد بن عبد الله السبر


ملخص الخطبة
1- سرعة انقضاء الأعمار. 2- قدوم رمضان. 3- نعمة بلوغ رمضان. 4- استقبال رمضان. 5- فضل الصيام. 6- من أسرار الصوم ومقاصده. 7- الإعلام في رمضان.
الخطبة الأولى

أما بعد: معاشر المسلمين، كم تُطوى الليالي والأيام، وتنصرم الشهور والأعوام، فمن الناس من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وإذا بلغ الكتاب أجله فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. ومن يعش منكم ـ يا عباد الله ـ أسأل الله عز وجل أن يطيل في أعماركم وأن يجعلها في طاعته وأن يتوفانا جميعًا سبحانه وتعالى وهو راض عنا، أقول: أيها الإخوة، فإنه من يعش منكم فإنه يرى حلوًا ومرّا، فلا الحلو دائم، ولا المرّ جاثم، وسيرى أفراحًا وأحزانًا، وسيسمع ما يؤنسه، وسيسمع ما يزعجه، وهذه سنة الحياة، والليل والنهار متعاقبان، والآلام تكون من بعد زوالها، أحاديث وذكرى ولا يبقى للإنسان إلا ما حمله زادًا للحياة الأخرى، يولد المعدوم، ويشب الصغير، ويهرم الكبير، ويموت الحي، وينظر المرء ما قدمت يداه، وكل يجري إلى أجل مسمى. قعدت بالمؤملين آجالهم عن بلوغ آمالهم، وعدوا أنفسهم بالصالحات فعاجلهم أمر الله، كل الناس يغدو في أهداف وآمال ورغبات وأماني، ولكن أين الجازمون؟ وأين الكيسون؟ كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.
أيها المسلمون، لقد أظلكم شهر عظيم مبارك، كنتم قد وَعدتم أنفسكم قبله أعوامًا ومواسم، ولعل بعضكم قد سوّف وقصّر، فها هو قد مُدّ له في أجله، وأنسئ له في عمره، فماذا عساه فاعل؟
إن بلوغ رمضان نعمةٌ كبرى، يقدرها حق قدرها الصالحون المشمرون. إن واجب الأحياء استشعار هذه النعمة واغتنام هذه الفرصة، إنها إن فاتت كانت حسرةً ما بعدها حسرة، أي خسارة أعظم من أن يدخل المرء فيمن عناهم المصطفى بحديثه على منبره في مساءلةٍ بينه وبين جبريل الأمين: ((من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له، فدخل النار فأبعده الله قل: آمين، فقلت: آمين))؟! من حرم المغفرة في شهر المغفرة فماذا يرتجي؟!
إن العمل الجاد لا يكون على تمامه ولا يقوم به صاحبه على كماله إلا حين يتهيأ له تمام التهيؤ، فيستثير في النفس همّتها، ويحدوه الشوق بمحبة صادقة ورغبة مخلصة.
أتاكم ـ أيها المؤمنون المسلمون ـ شهر رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه برحمته، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقيّ من حرم رحمة الله.
في استقبال شهر الصوم تجديد لطيف الذكريات وعهود الطهر والصفاء والعفة والنقاء، ترفع عن مزالق الإثم والخطيئة، إنه شهر الطاعات بأنواعها؛ صيام وقيام، جود وقرآن، صلوات وإحسان، تهجد وتراويح، أذكار وتسابيح، له في نفوس الصالحين بهجة، وفي قلوب المتعبدين فرحة، وحسبكم في فضائله أن أوّله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخِره عتق من النّار. رب ساعة قبول أدركت عبدًا فبلغ بها درجات الرضا والرضوان.
في الصيام تنجلي عند الصائمين القوى الإيمانية والعزائم التعبدية، يدَعون ما يشتهون، ويصبرون على ما يشتهون في الصيام، يتجلى في نفوس أهل الإيمان الانقياد لأوامر الله وهجر الرغائب والمشتهيات، يدَعون رغائب حاضرة لموعد غيب لم يروه، إنه قياد للشهوات وليس انقيادًا لها.
في نفوسنا ـ يا عباد الله ـ شهوةٌ وهوى، وفي صدورنا دوافع غضبٍ وانتقام، وفي الحياة تقلب في السراء والضراء، وفي دروب العمر خطوب ومشاق، ولا يُدَافع ذلك كله إلا بالصبر والمصابرة، ولا يُتَحمّل العناء إلاّ بصدق المنهج وحسن المراقبة. وما الصوم إلا ترويض للغرائز وضبط للنوازع، والناجحون عند العقلاء هم الذين يتجاوزن الصعاب ويتحملون التكاليف ويصبرون في الشدائد.
تعظم النفوس ويعلو أصحابها حين تترك كثيرًا من اللذائذ وتنفطم عن كثير من الرغائب، والراحة لا تنال بالراحة، ولا يكون الوصول إلى المعالي إلا على جسور التعب والنصب، ومن طلب عظيمًا خاطر بعظيمته، وسلعة الله غالية، وركوب الصعاب هو السبيل إلى المجد العالي، والنفوس الكبار تتعب في مرادها الأجسام.
إن عبّاد المادة وأرباب الهوى يعيشون ليوم حاضر، يطلقون لغرائزهم العنان، إذا أحرزوا نصيبًا طلبوا غيره، شهواتُهم مسعورة، وأهواؤهم محمومة، ونفوسهم ملوثة، ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3]، ويجعلون مكاسبهم وقودًا لشهواتهم وحطبًا لملذاتهم، ويوم القيامة يتجرعون الغصة، ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلأرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ [غافر:75]، وما فسدت أنظمة الدنيا إلا حين أعرضت عن توجيهات الدين وتعليمات الملة، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ [محمد:22]. إنها الأنعام السوائب والضّوالّ من البهائم، تفعل ما تحب وتدع ما يضايقها، لا تنازع عندها بين شهوات وواجبات، وحينما يقود الإنسان رشده فإنه يحكّم رغائبه، وإلا فهو إلى الدواب أقرب، بل إنه منها أضلّ، أَرَأيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:43، 44].
ولعلكم بهذا ـ أيها الإخوة ـ تدركون أسرارًا من التشريع في الصيام، فهو الضبط المحكم للشهوات، والاستعلاء على كثير من الرغبات، إنه زاد الروح ومتاع القلب، تسمو به همم المؤمنين إلى ساحات المقربين، يرتفع به العبد عن الإخلاد إلى الأرض؛ ليكون أهلاً لجنةٍ عرضها السماوات والأرض.
عباد الله، جديرٌ بشهرٍ هذه بعض أسراره وتلك بعض خصاله أن يفرح به المتعبّدون ويتنافس في خيراته المتنافسون. أين هذا من أناس استقبالهم له تأفّفٌ وقدومه عليهم عبوس؟! لقد هرم فيه أقوام فزلت بهم أقدام، اتبعوا أهواءهم فانتهكوا الحرمات، واجترؤوا على المعاصي فباؤوا بالخسار والتبار. من الناس من لا يعرف من رمضان إلا الموائد وصنوف المطاعم والمشارب، يقضي نهاره نائمًا، ويقطع ليله هائمًا، وفيهم من رمضانُه بيع وشراء، يشتغل به عن المسابقة إلى الخيرات وشهود الصلوات في الجماعات، فهل ترى أضعف همة وأبخس بضاعة ممن أنعم الله عليه بإدراك شهر المغفرة ثم لا يتعرّض فيه للنفحات؟!
فها هو من طالت غيبته قد قرب قدومه، فيا غيوم الغفلة تقشعي، ويا قلوب المشفقين اخشعي، ويا جوارح المتهجدين اسجدي لربك واركعي، وبغير جنان الخلد ـ أيتها الهمم العالية ـ لا تقنعي. طوبى لمن أجاب وأصاب، وويل لمن طرد عن الباب.
ها هو الشهر الكريم يحل بالساحات، فاستعدوا واجتهدوا، فما أكرمَ الله أمة بمثل ما أكرم به أمة محمد .
في هذا الشهر ذنوب مغفورة وعيوب مستورة ومضاعفة للأجور وعتق من النار، يجوع الصائم وهو قادر على الطعام، ويعاني من العطش وهو قادر على الشراب، لا رقيب عليه إلا الله، يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجل الله تبارك وتعالى. الألسنة صائمة عن الرفث والجهل والصخب، والآذان معرضة عن السماع المحرّم، والأعين محفوظة عن النظر المحظور، والقلوب كافّة لا تعزم على إثم أو خطيئة، في النهار عمل وإتقان، وفي الليل تهجد وقرآن، صحة للأجساد، وتهذيب للنفوس، وضبط للإرادات، وإيقاظ لمشاعر الرحمة، وتدريب على الصبر والرضا، واستسلام لله رب العالمين. فاجتهدوا رحمكم الله، واعرفوا لشهركم فضله، وأملوا وأبشروا.
فيا أهل الصيام والقيام، اتقوا الله تعالى وأكرموا هذا الوافد العظيم، جاهدوا النفوس بالطاعات، ابذلوا الفضل من أموالكم في البر والصلات، استقبلوه بالتوبة الصادقة والرجوع إلى الله، جددوا العهد مع ربكم، وشدّوا العزم على الاستقامة، فكم من مؤمل بلوغه أصبح رهين القبور، قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...


الخطبة الثانية
الحمد لله جعل الصيام جُنّة وسببًا موصلاً إلى الجنة، أحمده سبحانه وأشكره هَدَى ويسّر فضلاً منه ومنّة، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، جعلنا على أوضح محجة وأقوم سنة، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وعلى أصحابه، نفوسهم بالإيمان مطمئنة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله، فللصيام معانٍ ومقاصد عظيمة، لو تأملناها وتفكرنا فيها لطال عجبنا منها، ومهما أعمل الإنسان فكره فلن يحيط بمقاصد الصيام كلها، لكن هذه بعضها:
فمن معاني الصوم أنه مرتبط بالإيمان الحق بالله جل وعلا، ولذلك جاء أن الصوم عبادة السّر؛ لأن الإنسان بإمكانه أن لاّ يصوم إذا شاء، إذًا فالصوم عبادة قلبية سرية بين العبد وربه، فإنّ امتناع العبد عن المفطرات على الرغم من استطاعته الوصول إليها خُفيَةً دليل على استشعاره اليقيني لاطّلاع الله تعالى على سرائره وخفاياه، وفي ذلك بلا ريب تربية لقوة الإيمان بالله جل وعلا، وهذا السر الإيماني يجري في سائر العبادات التي يتقرب بها العبد إلى خالقه سبحانه.
انظروا ـ رحمكم الله ـ مثلاً إلى الوضوء الذي يتطهر به العبد من الحدث، فإن فيها دلالة على إيمان العبد بأن الله تعالى رقيب عليه مما يحمله على أداء تلك الأمانة السرية بينه وبين ربه، ولو أتى إلى الصلاة بدون طهور لما علم الناس بذلك. انظروا كذلك إلى الصلاة، ألا ترى أن المصلي يقرأ في قيامه الفاتحة، وفي ركوعه يقول: سبحان ربي العظيم، و في سجوده يقول: سبحان ربي الأعلى، وفي جلوسه بين السجدتين يقول: رب اغفر لي، وفي التشهد يقول: التحيات لله، وكل هذا يقوله سرًا لا يسمعه مجاوره الملتصق به، أتراه لو لم يكن مؤمنًا بعلم الله تعالى بهمسات لسانه وخواطر ذهنه ووساوس قلبه، أتراه يدعو ويذكر الله عز وجل في صلاته بهذه السرية التي لا يطّلع عليها إلا ربه سبحانه، وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسّرَّ وَأَخْفَى [طه:7].
ومن معاني الصيام أيضًا ـ أيها الإخوة ـ أنه يربي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة، فحين يتخلى الصائم عن بعض الأمور الدنيوية تطلعًا إلى ما عند الله تعالى من الأجر والثواب فلأن مقياسه الذي يقيس به الربح والخسارة مقياس أخروي، فهو يترك الأكل والشرب والملذات في نهار رمضان انتظارًا للجزاء الحسن يوم القيامة، وفي ذلك توطين لقلب الصائم على الإيمان بالآخرة والتعلق بها والترفع عن عاجل الملاذّ الدنيوية التي تقود إلى التثاقل إلى الأرض والإخلاد إليها.
ومن معاني الصيام أن فيه تحقيقًا للاستسلام والعبودية لله جل وعلا؛ إذ الصوم يربي المسلم على العبودية الحقة، فإذا جاء الليل أكل وشرب امتثالاً لقول ربه الكريم: وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ [البقرة:187]، وإذا طلع الفجر أمسك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات امتثالاً لأمر الله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ [البقرة: 187]، وهكذا يتربى المسلم على كمال العبودية لله، فإذا أمره ربه عز وجل بالأكل في وقت معين أكل، وإذا أمره بضد ذلك في وقت آخر امتثل، فالقضية ليست مجرد أذواق وشهوات وأمزجة، وإنما هي طاعة لله تعالى وتنفيذ لأمره، وإذا أمره ربه بعد رمضان على الجماعات في المساجد حضر، وإذا أمره ربه بترك الربا في معاملاته ترك، فالطاعة والامتثال ليس في رمضان بترك الأكل والشرب، بل هي الطاعة الكاملة المطلقة في كل وقت وفي كل حين حتى يأتيك اليقين، وإلا فهو تلاعب وليس طاعة لله. وإن العبودية لله سبحانه لهي الحرية الحقيقة، وكمال الحرية من كمال العبودية له عز وجل؛ ولذلك قال عياض رحمه الله:
وممـا زادني شرفـا وتيهـا وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيّرت أحْمد لي نبيا
هكذا يتربى المؤمن على معنى الاستسلام والعبودية لله تعالى، بحيث يأمر بالشيء فيمتثل، ويأمره بضده فيمتثل، سواء أدرك الحكمة أو لم يدركها.
ومن معاني الصوم العظيمة أيضًا أنه تربية للمجتمع، وذلك أن الصائم حين يرى الناس من حوله صيامًا كلهم فإن الصوم يكون يسيرًا عليه، ويحس بالتلاحم مع المجتمع الذي يربطه به جانب عبادي يلتقي عليه الجميع.
إن الذي يقارن بين صوم النافلة وصوم رمضان يجد أن في صوم النافلة شيئًا من الكلفة، بينما يجد أن صوم رمضان المفروض يسير سهل لا كلفة فيه ولا مشقة للسبب الذي سلف ذكره، حيث إن الصائم في رمضان لا يرى حوله إلا صائمين مثله، فإن خرج إلى السوق وجد الناس فيه صيامًا، وإن دخل البيت وجد أهله صيامًا، وإن ذهب إلى دراسته أو عمله وجد الناس صياما، وهكذا فيشعر بمشاركة الجميع له في إمساكه، فيكون ذلك عونًا له ومنسيًا له ما قد يجده من المشقة.
ولذلك نجد المسلمين الذين يدركهم رمضان في بلاد كافرة دفعتهم الضرورة للذهاب إليها إما لمرض أو لغيره، نجدهم يعانون مشقة ظاهرة في صيام رمضان؛ لأن المجتمع من حولهم مفطرون، يأكلون ويشربون، وهم مضطرون لمخالطتهم.
فشعور الصائم بأن الناس من حوله يشاركونه عبادته يخفّف عليه أمر الصوم ويعينه على تحمله بيسر وسهولة، ومن هنا كانت عناية الإسلام بإصلاح المجتمعات عناية كبيرة؛ لأنه إذا صلح المجتمع كله ولو بوجه عام سهل فيه فعل الطاعات وصعب فعل المخالفات؛ لأن المجتمع كله سوف يستنكر المخالفة.
ولهذا نجد أن صغار السن في مجتمعات المسلمين يصومون، لماذا؟ لأن المجتمع كله مسلم صائم يساعد على ذلك حتى صغار السن، وفي المقابل تجد أهل الفسق في مجتمعات المسلمين يتسترون بمعاصيهم، لماذا؟ لكي لا يفضحوا، ولأن المجتمع كله ينكر ذلك، وتجد أن الكفّار لا يستطيعون أن يعلنوا الأكل والشرب في رمضان في الأوساط الإسلامية الحقة، والله المستعان.
ومن هذا المنطلق حرص أعداء الإسلام على إفساد المجتمعات الإسلامية لكي يسهل عمل المخالفة فيه ويقل الإنكار عليه، ولعل من أحدث وسائلهم في ذلك ما يسمى بالبث المباشر والقنوات الفضائية، والتي فيها من الشرور والأخطار على المجتمع الإسلامي فكريًا وعقديًا وأخلاقيًا وسلوكيًا وسياسيًا ما لا يخفى.
كنت أُقلب أحد الأعداد من مجلة أصداف، وهي إحدى المجلات السيئة التي تباع عندنا، فتعجبت مما تنشره المجلة بكل جرأة وصراحة، وإن كان هذا أمرًا معلومًا من قبل وليس سرًا، لكن الغريب كما قلت لكم هو الجرأة والصراحة والنشر. فبالخط العريض: "مدير محطة إل بي سي يعترف علنًا بأن المحطة تركز على الجنس، وأن هذا هو الذي يجذب المشاهد العربي". وفي نفس العدد وفي أحد الحوارات التي أجريت مع مالك إحدى المحطات الفضائية المعروفة في الوطن العربي اعترف علانية وبصراحة بأن محطته تستخدم المذيعات الجميلات اللواتي يجدن الإثارة والإغراء والبرامج ذات الطابع الجنسي لاستقطاب المشاهدين وخاصة من دول الخليج.
فيا أولياء أمور البنين والبنات، لا أظنّ إلا أن خطر القنوات الفضائية أصبح واضحًا لكل عاقل، فإني أخاطب الإيمان الذي في قلوبكم، وأخاطب الإسلام الذي تعتنقون، وأنتم أعلم مني بأن ما يعرض في بيوتكم عبر هذه الدشوش أنه يخالف إسلامكم الذي تعتنقون، ويضاد إيمانكم الذي تحملون، أما وصل بك الجرأة ـ أيها الأب ـ أن تصارح أهل بيتك بأن هذا الذي أدخلناه كان خطأً، ولا عيب أن يخطئ الرجل ثم يصحح ويتراجع، أم أنك ضعيف إلى هذا الحد أمام أهل بيتك ولا تستطيع المواجهة وأنت رجل.
فاتقوا الله أيها المسلمون، نصيحة مشفقٍ عليكم أقولها لكم، انجوا بأنفسكم من النار، انجوا بأنفسكم من النار، ولعل شهر رمضان فرصة للتوبة والرجوع إلى الله وتصحيح الماضي.
اللهم بلغنا رمضان...







رد مع اقتباس
قديم 08-05-2010, 07:45 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو الحمزه المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي



خطبة استقبال رمضان

عبد الله بن محمد البصري

ملخص الخطبة
1- الحث على اغتنام مواسم الطاعات. 2- أصناف الناس في رمضان. 3- مسؤولية الأولياء تجاه أبنائهم ونسائهم. 4- بلوغ رمضان نعمة كبرى.
الخطبة الأولى

أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله جل وعلا، اتقوه تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، اتقوه تعالى حق تقواه، فلا يفتقدكم حيث أمركم، ولا يراكم حيث نهاكم، وتزوّدوا من دنياكم لأخراكم، واحرصوا على ما يقربكم من خالقكم ومولاكم، فإنه تعالى قريب مجيب، يعطي من سأله، ويجيب من دعاه.
أيها المسلمون، مسافران من بلد إلى بلد والطريق شاقة وطويلة، تزوّدا من بلدهما بشيء من الوقود، وخرجا يغذّان السير إلى البلد المقصود، وفي أثناء الطريق شغل أحدهما بما تقع عليه عينه من مناظر الطريق وملهياته، واستمر يقلّب طرفه في القادمين والذاهبين، فما علم إلا والراحلة تقف به في مكان لا وقود فيه ولا زاد، فظل في مهلكته ينتظر مسافرًا يراه على تلك الحال فيعطف عليه، أو لعل صديقًا يأتي به قدر فيحدب عليه وينقذه مما هو فيه، وأما الآخر فظل يسير وعينه على مؤشر الوقود، فكلما كاد ينفد وكادت الراحلة تقف مر على محطة شاملة متكاملة، فعطف راحلته وأمالها، وملأها وقودًا وأرواها، وتموّن هو بما أراد من طعام وشراب واستراح قليلاً، وهكذا ظلّ يسير منتبهًا متيقظًا، كلما مرت به محطة تزود منها وأخذ أهبته، حتى بلغ بلده وقضى أَرَبَه. فما تقولون في هذين الرجلين؟! وأيهما أشد فهمًا وأرجح عقلاً؟ لا شك أنكم ستقولون: إن من احتاط لنفسه واهتم بأمره هو الحصيف العاقل، وأما الآخر فقد ألقى بيده إلى التهلكة بتفريطه وإهماله.
أيها المسلمون، إن حال هذين المسافرين ـ لو تفكرنا مليًا وتأملنا قليلا ـ ما هي إلا حالي وحالك وحال فلان وعلان مع مواسم الخيرات والطاعات، والتي جعلها الله لنا بين حين وآخر محطات إيمانية نتزوّد منها بالوقود الحقيقي والزاد الأخروي، فاغتَنَمها عقلاء موفّقون فنجوا وفازوا، وأهملها حمقى مغفّلون فخابوا وخسروا.
وإن من نعم الله عز وجل على هذه الأمة المرحومة ـ إذ جعل أعمارهم قصيرة وآجالهم محدودة ـ أن أبدلهم مواسم الخيرات والبركات، ومَنَّ عليهم بالأعمال المضاعفات، يعملون قليلاً ويؤجرون كثيرًا، وينفقون زهيدًا ويجزون مزيدًا، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].
ألا وإن من المواسم العظيمة الجليلة والفرص الذهبية الثمينة ما نحن مقبلون عليه من أيام مباركة وليال فاضلة، ذلكم هو شهر رمضان المبارك الذي جعل الله صيام نهاره ركنًا من أركان الإسلام، وسن نبي الهدى لأمته في ليله التهجد والقيام، قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:183-185].
فيا لها من سوق للتجارة الرابحة مع الله يتزود منها المتزودون، ويا له من مضمار يتسابق فيه ذوو الهمم العالية ويتنافس المتنافسون، ويا لسعادة من كان في تجارته مع ربه صادقًا، ويا لفلاح من كان لهدي نبيه عليه الصلاة والسلام موافقًا، قال : ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه))، وقال عليه السلام: ((من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه)).
أيها المسلمون، وكلما ازداد شهر رمضان اقترابًا زاد قلب المؤمن وَجَلاً واضطرابًا، فهو لا يدري أنفسه تدرك هذا الشهر وتبلغه فيهنّيها، أم تخرج روحه قبل دخوله فيعزّيها، ثم هو لا يدري بعد ذلك إذا أدرك هذا الشهر المبارك أيكون من الموفقين المسددين، أم من المخذولين المبعدين. فإن من المعلوم المشاهد لكل ذي عين وقلب أن كلاًّ يغدو ويعدو في إقبال هذا الضيف الكريم، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى [الليل:4-11].
أما أصحاب القلوب الحية والعقول الراجحة فيبيعون أنفسهم في هذا الشهر للغني الوفي، ويقبلون على الكريم الرحيم الرحمن، يصومون إيمانًا واحتسابًا، ويقومون لربهم مخلصين قانتين، يرجون رحمته ويخافون عذابه، تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقهم ربهم ينفقون، وما ذلك إلا لأنهم علموا أن بلوغ رمضان نعمة عظيمة تستحق الشكر للمنعم الكريم سبحانه، ولذلك فهم يقضون نهاره صيامًا، ويبيتون ليله سُجَّدًا وقيامًا، لا يرفثون ولا يفسقون، ولا يسبون ولا يشتمون، ولا في باطل أو لغو يخوضون، يقرؤون كتاب ربهم ويتلذذون بتلاوته، ويسبحون بحمده ويحمدونه على نعمته، قد حفظوا الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكروا الموت والبِلَى، سمو نفس وشرف هدف، ونبل غاية وهداية قلب، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]. هؤلاء ـ والله ـ هم الذين يستفيدون من رمضان، وهم الذين يجدون فيه طعم الرجولة الصحيحة والحرية الحقة، لمثلهم تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، ولا ينسلخ عنهم الشهر إلا وقد غفرت ذنوبهم وكفرت خطاياهم، بأمثالهم تصلح الأحوال وتستقيم الأوضاع، وبوجودهم تسعد المجتمعات وتحيا الأمم، وما أشد حاجة الأمة إلى أمثالهم في كل عصر وفي كل مصر.
وأما أكثر الناس ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ فهم مع رمضان أشتات غير متفقين، عن اليمين وعن الشمال عِزِين، منهم من لا يرى فيه أكثر من كونه حرمانًا لا فائدة منه وتقليدًا تعبّديًا لا مبرر له، فهم عازمون على الإفطار فيه مجاهرين بذلك أو مسرّين، فهؤلاء حمقى مأفونون، كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا، وظنوا أن في الصوم كَبْتًا للحرية المزعومة، والتي تعني عندهم أن ينطلق المرء وراء أهوائه وشهواته، يَعُبّ منها دون حد أو قيد، فهؤلاء ـ والله ـ بمنزلة هي من شر المنازل وأخبثها، وأنآها عن الله وأبعدها.
ومن الناس ـ أيها الإخوة ـ أشقياء تعساء، يستقبلون رمضان على أنه شهر جوع نهاري وشبع ليلي، نوم في الفرش في النهار إلى ما بعد العصر، وسهر في الليل ممتد إلى طلوع الفجر، ليس رمضان عندهم إلا موسمًا للموائد الفاخرة، بألوان من الطعام والشراب زاخرة، ذو العمل منهم يتبرّم من عمله، وصاحب التعامل يسيء في تعامله، والموظف تثقل عليه وظيفته، وجوههم عابسة، وصدورهم ضيقة، وألسنتهم سَلِيطة، وغيظهم حانِق، لا يرون في رمضان إلا جوعًا لا تتحمّله أمعاؤهم، وعطشًا لا تقوى عليه عروقهم، فأي مسكنة وضعف يعيش فيه هؤلاء؟! إنهم لم يأخذوا من الحياة سوى جانبها الفضولي العابث، يتأثرون ولا يؤثّرون، يعيشون صعاليك وطفيليين، لا يعتزون بعقيدة ولا بخلق يتمسكون، ولا يفرحون بخير ولا في عبادة يخلصون.
ومن الناس صنف مُهْمِلُون مُهْمَلُون، أولئك هم الشباب والنساء، أما الشباب ـ هداهم الله ورعاهم ـ فهم يصومون عن الأكل والشرب فحسب، ويعيشون أوقاتهم في أثناء ذلك فارغين، لا هَمَّ لهم إلا أن يذرعوا الأسواق جيئة وذهابًا، يؤذون أنفسهم، ويؤذون المؤمنين والمؤمنات، يزعجون هذا ويوقظون ذاك، ويلحظون هذه ويضايقون تلك، يقطعون أوقاتهم في سهر عابث وسهر ماجن، وتكون لهم الطرق والشعاب وملاعب الكرة والأرصفة والزوايا والمقاهي أماكن شر وعبث وفساد، تعلّمهم كل بذيء من القول وفاحش من الفعل. وأما المرأة المسلمة ـ وما أدراك ما حالها ـ فكأنما خُلِقت للطهي والطبخ والتفنّن في أنواع المآكل وألوان المشارب، أو لتكون خَرَّاجَة ولاّجَة، كاسية عارية، فاتنة مفتونة، مائلة مميلة، غير ملتفتة إلى ما يقرّبها من خالقها سبحانه من تلاوة قرآن أو صلاة نفل أو صدقة أو دعوة أو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
إننا ـ أيها المسلمون ـ بحاجة ماسّة ماسّة إلى ما يقوّم أخلاق هؤلاء الشباب وأولئك النساء، ويزيد علمهم، ويرفع من ثقافتهم، ويحد من عبثهم وضياع أوقاتهم سدى. إننا يجب أن نقوم بواجب القيام والرعاية، وأن نوليهم أشد الاهتمام والعناية، وأن نغتنم هذا الشهر المبارك في تعليمهم ما ينفعهم في أخراهم، وربطهم بما يقربهم من مولاهم.
إنه ليس من القيام بالواجب في شيء ـ أيها الإخوة ـ أن يشتري الرجل لولده سيارة ويسلمه زمامها، ثم لا يسأل عنه بعد ذلك: متى ذهب؟! ولا: متى يعود؟! ولا: ماذا يفعل؟! ولا: مع من يمشي؟! وليس من إبراء الذمة وإخلاء النفس من التَّبِعَة أن يترك الأب ولده يسهر ليله وينام نهاره حتى عن الصلوات المكتوبة. ولنا أن نتساءل ـ أيها المسلمون ـ وعليكم أن تجيبوا بصراحة: هل قام بواجبه من أدخل في بيته أدوات اللهو ووفَّر فيه أجهزة الباطل؟! هل قام بواجبه من ترك نساءه يذهبن للسوق مع سائق أو مع طفل صغير؟! هل أدى أمانته واتقى ربه من يخرج للصلاة المكتوبة أو لصلاة التراويح ولا يأمر أهله وأولاده بذلك؟! كيف نريد من شبابنا ونسائنا أن يصوموا صومًا حقيقيًا ونحن لم نقم بما يجب علينا تجاههم من القيام والرعاية؟! كيف نريد منهم أن ينيبوا إلى ربهم ويتوبوا في شهر التوبة ونحن الذين أوصدنا باب التوبة في وجوههم؟! كيف نريد منهم أن يستقيموا ونحن الذين هيأنا لهم أسباب الزيغ والضلال؟! كيف نأمل منهم أن يهتدوا ونحن لم نهتم بتربيتهم التربية الإيمانية الصحيحة، ولم نجلب لهم من الوسائل ما يكفل لهم النشأة الإسلامية الحسنة؟!
ألا فاتقوا الله عباد الله، وأعدوا لاستقبال شهركم توبة نصوحًا، فإن باب التوبة ما زال مفتوحًا، طهروا بيوتكم من أجهزة اللهو والشر والفساد، واغتنموا أوقات شهركم بما ينجيكم يوم المعاد.
اللهم بارك لنا فيما بقي من شعبان، وبلغنا برحمتك شهر رمضان، إنك جواد كريم.




الخطبة الثانية

أما بعد: فاتقوا الله تعالى حق تقاته، وسابقوا إلى مغفرته ومرضاته.
أيها المسلمون، لقد أظلكم شهر عظيم مبارك، كنتم قد وعدتم أنفسكم قبله أعوامًا ومواسم بالتوبة والعمل الصالح، ولعل بعضًا قد أمَّل وسوَّف وقصَّر، فها هو قد مدَّ له في أجله، وأخّر وأمهل، فماذا عساه بعد هذا أن يفعل؟!
إن بلوغ رمضان نعمة كبرى ومنحة جُلَّى، لا يقدرها حق قدرها إلا المشمرون الصالحون، ولا يشكرها حق شكرها إلا الموفّقون المخلصون، وإنها لحسرة ما بعدها حسرة وخسارة لا تعدلها خسارة حين تنقلب المفاهيم لدى بعض المسلمين، فيصبح شهر التوبة والمغفرة عندهم موسمًا للسمر واللهو، وتصير أيام العتق من النار فرصة للتسلية واللغو، بل إنهم ليعدّون برامج خاصة كلها لهو وضحك ومجون، فغاية بِرّ هؤلاء بالشهر الكريم أن يكون محلاًّ للألغاز الرتيبة والدعايات المضللة، أو موعدًا لارتقاب ما يستجد من أفلام هابطة ومسرحيات مشبوهة، ترمي بشَرَر كالقَصْر لإحراق ما بقي في المسلمين من الحشمة والعفاف، وكأنما أصبح رمضان ميدانًا للمسلسلات الماجنة والمسابقات الهزيلة الهابطة، في تنافس بينها محموم غير محمود.
إن حقًّا على المسلمين ـ أيها الإخوة ـ أن يبكوا ولا يضحكوا، وأن يجدّوا ولا يهزلوا، وأن يفكروا فيما يصلح أحوالهم المتردية ويغير أوضاعهم المزرية، أين الإحساس بضراوة العدو وشراسة الكائدين؟! أين الشعور بتمالؤ أمم الكفر على الأمة وتداعيهم عليها؟! إن أوصالاً كبيرة من جسد الأمة تقطعت وتمزقت، وأخرى قد أعدت العدة للقضاء عليها وإضعاف شأنها. ما حال إخواننا في فلسطين وفي أفغانستان؟! وأين وصل الحال بآخرين في الفلبين والشيشان؟! نحن هنا نضحك أمام المسلسلات والمسرحيات، وهم هناك يبكون تحت وابل الطائرات والدبابات. فأين الصيام من أناس يضحكون وإخوانهم يبكون؟! وأين أدب الصيام من فئات تحب أهل الفساد، وتأنس بمجالس الغاوين، وتستسلم في معارك شهوانية يقودها الإعلام الفاسد المأجور؟!
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واتخذوا من استقبال شهركم موقف محاسبة وتوبة، ونقطة رجوع إلى الله وعودة إلى حماه، من كان تاركًا للصلاة فليتب، ومن كان مفارقًا للجماعة فلينب، ليطهر كل أب بيته من كل ما يغضب الله، فإنه سيموت وحده، ويبعث وحده، ويحاسب على ما قدمت يداه، ليكن كل إنسان مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وليجعل من نفسه مشعل خير في أهل بيته وحيّه ومن حوله، لنكن أمة واحدة كما أراد الله منا حين قال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71].
يا أسير الذنوب، هذا شهر التوبة. يا عاكفًا على المعاصي، هذا شهر الطاعة. يا مدمن الغيبة والنميمة والنظر إلى ما حرم الله، يا مستمع الغناء ويا آكل الربا، هذا شهر صوم الجوارح وصونها عن كل ما يغضب الله، هذا شهر القرآن فاتلوه، هذا شهر الغفران فاطلبوه. يا باغي الخير، هلمّ وأقبل، فقد جاء شهر الصيام والقيام والتشمير. يا باذل المعروف، أكثر وأجزل، فقد أتى موسم إطعام الطعام والتفطير، يقول نبيكم عليه الصلاة والسلام: ((من فطّر صائمًا كان له مثل أجره)).
وانطلاقًا من هذا الوعد النبوي الكريم الصادق فستقام مشروعات لتفطير الصائمين في عدة جوامع في هذه المنطقة بإذن الله، فنهيب بكم ـ أيها المؤمنون ـ أن تغتنموا الفرصة، وتحتسبوا الأجر، وتشاركوا في ذلك بما تجود به أنفسكم ولو كان قليلاً، وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل:20]. وننبهكم إلى أنه إن فاض شيء مما تجودون به بعد رمضان من مال أو تبرعات عينية فسيصرف في أوجه البر المختلفة، ولن يُدّخر.








رد مع اقتباس
قديم 08-05-2010, 07:50 AM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو الحمزه المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي


اهلا رمضان
حمزة بن فايع الفتحي

ملخص الخطبة

1- حال السلف في رمضان. 2- انتصاف الشهر. 3- الحث على الاجتهاد في الطاعة والاستعتاب. 4- التحذير من تضييع رمضان. 5- التذكير بالمصابين والمنكوبين من المسلمين والحث على الإنفاق عليهم.
الخطبة الأولى

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].
معاشر المسلمين، إن لرمضان أهلاً يعرفون قدره، ويجلّون زمانه، ويسارعون فيه مسارعة الأبطال. هل سمعتم بسباق رمضان والجادين فيه؟!
لقد كان السلف قبلنا هم أهل العمل والمسارعة وأرباب الجد والمبادرة، وفي مواسم الخير يتضاعف جدهم وتعظم مسارعتهم، فلا يجعلون رمضان إلا موسم المضاعفة وزمن الجد والمبادرة. قد استهواهم رمضان بجماله، وأسرهم بعظيم ثوابه ونواله، كيف وهم قد وعَوا: ((إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين))؟! إنهم أناس زكت عقولهم، وصانوا أنفسهم، واستثمروا أوقاتهم، وسارعوا إلى مرضاة ربهم.
يقول الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه: (لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم)، وقال الحسن رحمه الله: "والله، ما أصبح اليوم عبد يتلو القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه، وكثر بكاؤه وقل ضحكه، وكثر نصبه وشغله وقلت راحته وبطالته"، وقال وهيب رحمه الله: "نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئًا أرق للقلوب ولا أشد استجلابًا للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره".
قال ابن رجب في لطائف المعارف: "كان بعض السلف يختم في قيام رمضان كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع منهم قتادة، وبعضهم في كل عشر منهم أبو رجاء العُطاردي، وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها، كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان، وكان الحنفي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث، وكان قتادة يختم في كل سبع دائمًا، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير المصحف، وعن أبي حنيفة نحوه. وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان، وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام".
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي بكر بن عياش رحمه الله: "قد روي من وجوه متعددة أن أبا بكر بن عياش مكث نحوًا من أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة، وهذه عبادة يُخضَع لها".
وقال نافع: لما غسل أبو جعفر القاري نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، فما شك من حضره أنه نور القرآن رحمه الله. وفي ترجمة عبد الرحمن بن مهدي قال ابن المديني: كان ورد عبد الرحمن كل ليلة نصف القرآن. وقال الذهبي: "عبد الرحمن له جلالة عجيبة، وكان يُغشى عليه إذا سمع القرآن".
وقال حمزة بن حبيب الزيات رحمه الله وهو أحد القراء السبعة: نظرت في المصحف حتى خشيت أن يذهب بصري، قال الذهبي: "كان إمامًا حجةً، قيِّما بكتاب الله، عابدًا خاشعًا قانتًا لله، ثخين الورع، عديم النظير". وقال فيه أيضًا: "وكان رحمه الله يُقرئ القرآن حتى يتفرّق الناس، ثم ينهض فيصلي أربع ركعات، ثم يصلي ما بين الظهر والعصر وما بين المغرب والعشاء، وحدث بعض جيرانه أنه لا ينام الليل، وأنهم يسمعون قراءته يرتل القرآن".
كذا ـ يا مسلمون ـ كان سلفكم الصالح رضي الله عنهم، عرفوا قدر رمضان فاحترموه، وأدركوا فضله فسابقوا فيه، فاسلكوا آثارهم، وتشبهوا بهم حرصًا وجدًا واجتهادًا، كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].
أيها الإخوة الكرام، ها هو رمضان قد انتصف وتصرمت أيامه، رمضان الذي هنأنا أنفسنا به واستقبلناه قبل أيام ها هو يقطع شطر زمانه، فأين أنتم يا مسارعون؟! وأين أنتم يا سابقون؟! ليسأل كل واحد منا نفسه: ماذا حصل في خمسة عشر يومًا؟! هل كان من عمارها أم من الغافلين عنها؟‍‌! هل كان من المسارعين أم من الضائعين؟!
لقد أفلح أناس عرفوا قدر رمضان، فكانوا من عُبّاده وقوّامه، يقرؤون القرآن ويختمونه الختمات، ويستغرقون ساعاتهم في الذكر والتلاوة والعلم والصدقة والمعروف، أقبلوا على الطاعات وقد سمعوا المنادي: ((يا باغي الخير أقبل))، وكفوا عن الشهوات وقد سمعوا المنادي: ((يا باغي الشر أقصر)).
يا صائمون، ليزدد محسنكم من الإحسان، وليتأهب للعشر الأواخر الكريمات، وليكن أكثر عملاً وجدًا ومسارعة، وليتنبه غافلكم، وليتعظ مسيئكم، فإن الأيام منصرمة، والمنايا خطافة، والسعيد من اغتنم أيام زمانه قبل الحسرة والندامة، السعيد ذاك الصائم القانت الذاكر، من اهتبل الرحمات وبادر الباقيات الصالحات.
يا صائمون، قد أساء ـ وايم الله ـ ذاك الذي ضيّع رمضان وغفل عن رحماته ولم يبادر لحظاته، قال كما في الحديث الصحيح: ((رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ فلم يغفر له)).
أي وبال علينا إذا نحن ضيعنا رمضان ولم نغتنم جواهره وكنوزه؟! وا حسرتاه على عمرٍ يمضي سبهللا ونفس تعيش حياة تعيسة بلا موعظة ولا أذكار!
يروى أن أعرابيا وعظ ابنًا له فقال: "لا الدهر يعظك، ولا الأيام تنذرك، والساعات تعد عليك، والأنفاس تعد منك، أحبُّ أمر إليك أردهما بالمضرة عليك".
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.


الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: إخوة الإسلام، هل استمتعتم برمضان؟! وهل تلذذتم بطيباته؟! قال : ((للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقائه بربه)).
حين تهم بالإفطار تذكر أن هناك مسلمين صائمين، ولا يذوقون الطعام، ولا يجدون الفرح الذي تجده أنت. إخوانكم المسلمون في أكثر من بلد إسلامي يؤذون ويحاربون، وفيهم الصائمون، فماذا قدمتم لهم؟!
ذات مرة جاء إلى النبي قوم حفاة عراة، مجتابي النمار أو العَباء، متقلِّدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعَّر وجه رسول الله لما رأى ما بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام، فصلى، ثم خطب فقال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]))، وقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18]، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، ـ حتى قال: ـ ولو بشق تمرة))، قال الراوي: فجاء رجل من الأنصار بصُرّة كادت كفّه تعجز عنها، بل قد عجِزت، قال: ثم تتابع الناس، حتى رأيت كَومَينِ من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله يتهلل كأنه مُذْهَبة ـ أي: كالقصعة المذهبة بياضًا وسرورًا ـ، فقال رسول الله : ((من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء)) الحديث.
كذا يا مسلمون، أغيثوا إخوانكم المنكوبين في أفغانستان وفلسطين وكشمير والشيشان، أغيثوهم بكل ألوان الإغاثة، وجودوا عليهم بكل ما تملكون، فإنهم في أمس الحاجة إلى صدقاتكم ومعوناتكم.
تذكروا ـ يا مسلمون ـ أنكم إذا تنعمتم بالطيبات فإن هناك إخوانا لكم لا ينعمون ولا يتلذذون، إخوانكم في الأرض المحتلة فلسطين لا يذوقون حلاوة رمضان؛ تتسلط عليهم الخنازير اليهودية، وتفتك بهم في كل ساعة، فذاك شهيد، وذاك منكوب، وذاك سجين، وذاك مهدوم بيته ومشرد أهله، وإخوانكم في غاية الخطورة، والدعم قليل، والمسلمون يشاهدون ويتأمّلون، والله المستعان.
إن صدقة تبذلها في هذا الشهر الكريم تغيث بها ملهوفًا وتطعم جائعًا وتعين مجاهدًا وصامدًا هي كبيرة عند الله، فابذلوا ـ يا مسلمون ـ لإخوانكم المبتَلَين في فلسطين، فأنتم في موسم الجود والرحمة، ولا تقولوا: كثرت المآسي، ولا تحقروا من المعروف شيئًا، فإن صدقة يسيرة تقوي بها مسلمًا وتقتل بها يهوديًا وترفع بها للإسلام راية.
اللهم انصر إخواننا المسلمين...







رد مع اقتباس
قديم 08-05-2010, 07:52 AM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو الحمزه المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

صالح بن عبد الله الهذلول


ملخص الخطبة
1- دنوّ رمضان. 2- نداء للعاق وقاطع الرحم. 3- نداء لآكل الربا. 4- نداء لأصحاب المسكرات والمخدرات. 5- التحذير من الغناء والموسيقى. 6- خطورة مرحلة الشباب. 7- التحذير من فتن القنوات الفضائية. 8- فضل الشاب الصالح. 9- تحذير غير المستحقين من السؤال. 10- حث المرأة على اغتنام رمضان. 11- الحث على الدعاء للمجاهدين في سبيل الله.
الخطبة الأولى

أما بعد: أيها المسلمون، فرمضان على الأبواب، وسيحل ضيفًا بعد يوم أو يومين، وشأن الضيف أن يرتحل، فماذا أعددت لضيفك؟ حري بالمسلم أن يجعل من رمضان بداية توبة جادَّة، ونقطةَ انطلاقٍ إلى الله عازمة، قدِّر نعمة الله عليك أيها المسلم، واسأله أن يبلغك رمضان، وخذ أمورَك بالجد، فكم من النفوس صامت العام المنصرم ولن تصوم هذا العام، وما تدري من أي الفريقين تكونُ أنت.
كم صحيح رأيت من غير سقم ذهبت نفسه الصحيحة فلتة
أيها المذنب، أيها العاق لوالديه والقاطع رحمه، رمضان يدعوك ويهتف بك أن تعال نظف نفسك، طهر نفسك، رمِّم ما تهدّم في بناء قلبك، انفض غبار الشقاقِ واتباع الهوى والانسياق وراء وساوس الشيطان وتوهيماته، واحرص على ما ينفعك، فعمّا قليل سترتحل، وإلى الآخرة تنتقل، ويقفل ملفك في هذه الدنيا، دع عنك إغراءاتِ الأصدقاءِ ورفاقِ الهزل والضحك، ولا تلتفت لمكائد زوجتك إن كانت سببًا في عقوق والديك ومقاطعتهم، فإنّ كل زهرة ستذبل، وشبابك وشبابها زهرة وسيذبل، ويتقدم بك العمر إن عمرت وتعجز، وتحتاج إلى خدمة الأولاد وحنوِّهم، فإذا فتشت صفحاتِ ماضيك وعلاقتك مع والديك وجدتها لا تسر. عجبًا لك أيها العاق! أي قلبٍ تحمل في جوفك وقد تركت والديك أو أحدهما يذرف الدمعَ كمدًا ويكظم الغم قهرًا؟! ألا تخاف من دعوة مستجابة من والدٍ وفي رمضان؟! ألا تخشى أن تبلى بمن يؤرق ليلك غدًا وينغص نهارك ممن كنت تؤمِّل برَّهم؟!
رمضان يدعوك يا آكل الربا، إلى متى تظل تبارز ربك وتعلن الحرب عليه؟! ألست تعلم أنك ضعيف وخصمك قوي ويملك جنود السماوات والأرض؟! رمضان يذكرك بحلم الله عليك وإمهاله لك؛ لعلك تتوب وتكتفي بالحلال، رمضان يفتح أمامك أبواب الرزق الحلال، ويحذرك في الوقت نفسه من مغبة التمادي في تغذية جسمك على الحرام. ألم تسمع قول النبي في الرجل الذي يمد يديه إلى السماء داعيًا ومتضرعًا: يا رب، يا رب، لكن مطعمه حرام، ومشربه حرام وملبسه حرام، قال المصطفى : ((فأنى يستجاب لذلك)).
يا من تتعاطى المخدرات أو تشرب المسكرات، اتق الله في نفسك، كفى أذية لنفسك، ماذا جلبتْ لك تلك المحرمات؟! همّ وخوف، وفقرٌ وذلة، وقلق وفشل، وقسوة قلب، وتهرب عن كل فضيلة، وتهافت على كل رذيلة.
يا من تتعاطى المخدرات، أترضى أن تكون أختك أو بنتك أو زوجتك فريسة لوحوش البشر؟! هل يسرك أن إحدى محارمك يعبث بها شرار الخلق مقابل أن تحصل على شيء من المخدرات؟! فإن الواقع يثبت ذلك، ولا تظنَّ أنك في مأمن من هذا. وقد حكى أحد الشباب التائبين منها أنه كان يوافق مرغمًا على أن تفعل به الفاحشة مقابل الحصول على مخدّر. إنك بإصرارك على تناول المخدرات تسوق محارمك إلى تلك المستنقعات الموبوءة من الجريمة، غِرْ على محارمك، واحرص على ما ينفعك، فوالله عمّا قليل ستندم، وحينها ربما يكون الثمن غاليًا.
واعلم ـ أيها المسلم رعاك الله وحفظك وهداك ـ أن الموسيقى والغناء مفتاحٌ يلج به المرء عوالم المخدرات والمسكرات والفواحش، كثير من نجوم الموسيقى والغناء يتعاطون المخدرات علنًا، سواءً على المسرح أو خارجه، وكثير من الأغاني مطعمٌ بلغة المخدرات، فاحذروا.
أيها الشاب، إن مرحلة الشباب والفتوة لا تستغرق العمر كلّه، إنها مرحلة من مراحل عمرك، سرعان ما تطوى وتنتهي كما طوي ما قلبها، لكن أثرها على سلوك صاحبها أبلغ من أي مرحلة أخرى، فكن حذرًا أن تصير من ضحاياها، فكم غرت من فتى، وأوقعته في براثن الرذائل، ثم ولَّت هاربة عنه، وقد أسلمته لمرحلة الكهولة الممهدة للشيخوخة والعجز. يظن الشاب أنه هكذا سيظل دائمًا في نشاط وفتوة دون رقيب ولا مسؤولية، فما هي إلا مدة وجيزة ويفيق من سكرته، فيجد نفسه قد ضيع دينه ودنياه، وأهمل الاستعداد لمستقبل أيامه وآخرته؛ ضعفٌ في الدراسة وصدود عنها، وتهرُّب من كل عمل جاد، وشعور بالفشل يلاحقه.
أيها الشاب الفاضل، إن ضحايا الترصد للقنوات الفضائية ومتابعة غثها مما تعرضه في شاشاتها يكلفك كثيرًا، فاحرص على ما ينفعك، والسعيد من وعظ بغيره. لا يكن حظك من رمضان السهر في الاستراحات ومتابعة المسلسلات والنظر إلى المحرمات. وتذكر، كم من الشباب صاموا العام الماضي والآن هم في القبور.
حذارِ ـ أيها الشاب ـ أن تظن أن مرحلة الشباب لا يُستمتع بها إلا أن تمضي سفهًا وعبثًا أو اقترافًا للحرام، إنها أغلى وأشرف من ذلك وأقدس، وفي المسند للإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: قال رسول : ((إن الله عز وجل ليعجب من الشاب ليس له صبورة)). والصبوة: الهوى والميل عن طريق الحق. وفي الحديث المتفق عليه عَدَّ رسول الله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: شابًا نشأ في طاعة الله، وما ذاك إلا لتغلبه على هواه وانتصاره على نفسه وقهرِه للشيطان ودحرِه وترقبه لما عند الله. فرحة النصر على أعدائه من الشيطان وهوى النفس وقرناء السوء أبدلت طموحاته الأرضيةَ الوضيعةَ شوقًا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
أيها المفرط والمتساهل والمتهاون، أيها المذنب، لا تظن أن الأمر سهل وهين، إن الأمر جِدٌ، إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق:13، 14].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...


الخطبة الثانية
الحمد لله ولي الصالحين، سبقت رحمته غضبه، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، يحب أنين النادمين، ويسمع دعاء المتضرعين، ويقبل توبة التائبين، ويعجب من الشباب الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ الحقُ المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين، عبد ربه حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين، وسلم كثيرًا.
أما بعد: معاشر المسلمين، فإن من الناس من يفرح بقدوم شهر رمضان ليستغله في التسول وفتح جيبه ليضع الناس فيه زكواتهم، وهو ليس من أهل الزكاة، ولم يشرع له السؤال. ونسي أو تناسى أو جهل حديث الرسول : ((ما فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)). فاحذر ـ أيها المسلم ـ أن تفتح على نفسك باب الفقر فتشقى، ويشقى معك من تعول، ولن تغتني ولو صبَّت زكوات المسلمين كلها في جيبك؛ لأن الله فتح عليك باب الفقر حين فتحت على نفسك باب سؤال الناس. مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:2].
أما من كان محتاجًا وذا عيالٍ ودخله لا يغطي ضرورياته فالزكاة لم تشرع إلا لمثله والحمد لله، لكن كن حذرًا ـ أيها المسلم ـ أن تظن أن مظاهر الترف والكماليات والتوسع في متع الدنيا، حذار أن تظن أن تلك ضرورياتٌ، فهذه حتى لو لم تجدها ولا تستطيع تأمينها فلا يحل لك أخذ الزكاة.
أيها المسلمون، المرأة يجب أن يكون لها من رمضان نصيب، ليس من اللائق أن يضيع نهارها تفننًا في إعداد المآكل والمشارب، ويضيع ليلها تجوالاً في الأسواق بحجة شراءِ ملابسِ الشتاء أو العيد، لم لا يكون الاستعداد للعيد والشتاء قبل دخول رمضان؛ حتى تتفرغ المرأة أكثر للتزود منه لآخرتها؟!
عباد الله، لا تغفلوا عن الدعاء لإخوانكم المجاهدين في سبيل الله؛ فإن الجهاد ذروة سنام هذا الدين، ونرجو أن يكون المجاهدون قد قاموا به، وقاموا بفرض الكفاية ليسقط عن العاجزين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. إن المجاهدين كما أنهم يدافعون عن دينهم وحقوقهم وأعراضهم وديارهم فهم خط المواجهة أمام الأعداء، ولولا ما يبثه الجهاد من إثارة الرعب في قلوب الأعداء المتربصين لما أمهلونا ساعة، فالأعداء لم يتركونا حبًا لنا وشفقة علينا بل خوفًا من ثروتنا الحقيقية ومجدنا التليد، خوفًا من الجهاد أن يتفجر في مواقع أخرى، وقد جربوا وذاقوا نكايته بهم.
فاللهم أقم علم الجهاد، وانصر المجاهدين في سبيلك، وثبت أقدامهم، وسدد سهامهم وآراءهم، وانصرهم على القوم الكافرين...






رد مع اقتباس
قديم 08-05-2010, 07:54 AM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو الحمزه المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي

اقبلت يارمضان
عبد الله بن محمد البصري


ملخص الخطبة
1- واجبنا تجاه نعمة الإسلام. 2- الحث على اغتنام مواسم الطاعة. 3- من فضائل شهر رمضان. 4- المبادرة بالأعمال الصالحة في رمضان. 5- فضل الإنفاق في سبيل الله وتفطير الصائمين.
الخطبة الأولى

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واشكروه على أن اصطفى لكم الدين وجعلكم مسلمين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج:77، 78].
أيها المسلمون، إن السرور الحقيقي والفرح المشروع إنما هو بالهداية إلى دين الإسلام واتباع محمد عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، وإن من الاغتباط بنعمة الهداية للإسلام أن يعتزّ المسلم بدينه بالقول، ويظهر شعائره بالفعل، ويصرح بالبراءة من كل ما خالفه من عامل أو عمل، ويستقيم عليه امتثالاً للمأمور وتركًا للمحظور، قال تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:161-163]، وقال سبحانه: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112].
وإن من الفرح بفضل الله ورحمته والاغتباط بنعمته اغتنام مواسم الخيرات وأوقات الطاعات، وانتهاز فرصها، والمبادرة بالجد فيها بصالح العمل، والتوبة إلى الله عما مضى من النقص والخلل، والتنافس في الطاعة وتجديد النشاط في البر، وإزالة مظاهر السآمة والملل والفتور، والمسارعة والمسابقة إلى دار النعيم والحبور.
يقال هذا الكلام ـ أيها الإخوة ـ ونحن مقبلون على شهر عظيم ووافد كريم، أظل زمانه وقرب أوانه، شهر تضاعف فيه الأجور والحسنات، وتمحى السيئات، وتقال العثرات، وتفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتقبل فيه التوبة، وتصفد الشياطين، أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، شهر من أدركه فلم يغفر له فيه فقد أبعده الله، ومن دخل عليه وخرج وهو خاسر فما أعظم خسارته، شهر كان النبي يبشر أصحابه بقدومه فيقول: ((قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم)).
أيها المسلمون، إنكم ستدخلون موسمًا عظيمًا من مواسم العمل الصالح، وستغدون إلى سوق من أسواق المتاجرة والمرابحة، وإن للربح أسبابًا أجمع العقلاء على عدم حصوله إلا بها، منها الاستعداد بعرض شريف البضاعة ونفيسها، وصيانتها مما يصرف النظر وينفر المشتري منها، مع الصدق والبر في البيع، واستكمال الوقت في العرض، وحسن الخلق من صاحب البضاعة. فإذا كان هذا ونحوه لازمًا للربح في التجارة مع المخلوقين فما ظنكم بما ينبغي من الآداب في التجارة مع رب العالمين؟! فإنه تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولا يرضى من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتُغِيَ به وجهه، وكان موافقًا لما شرع على لسان نبيه وحبيبه وأعلم الخلق به .
فبادروا ـ عباد الله ـ بالتوبة النصوح إلى ربكم من جميع الخطايا والسيئات، واستبقوا الخيرات، وسارعوا إلى فعل الطاعات، فإن المسارعة إلى الخيرات صفة عظيمة من صفات الذين هم من خشية ربهم مشفقون، وإن السابقين إلى الخيرات في الدنيا هم السابقون إلى رفيع الدرجات في الآخرة، قال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الواقعة:10-12]. وإن استباق الخيرات مفتاح لخزائن الأعمال الصالحات، فما يكاد العبد يفرغ من عمل صالح سبق إليه إلا فتح الله تعالى له برحمته أبوابًا مثله، قال تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم:76]، وقال سبحانه: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17]. وإن السابق إلى الخيرات يجعله الله إمامًا للمتقين، يقتدون به في كل ما يرضي رب العالمين، وهذا مطلب عزيز من مطالب عباد الرحمن الذين قال الله سبحانه في وصفهم: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]، وقال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء:73]، وقال: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24]، وفي الصحيح عن النبي قال: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء))، وقال : ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)).
وإن من كانت عادته المسابقة إلى الخير فإن الله يكتب له عمله الذي اعتاده ولو لم يعمله إذا حال بينه وبين فعل الخير عارض من مرض أو سفر أو نحوهما من العوارض، لما في صحيح البخاري رحمه الله عنه أنه قال: ((إذا مرض العبد أو سافر كُتِب له من العمل مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا)). بل إن العبد ليُبعث على ما مات عليه، روى مسلم رحمه الله عنه أنه قال: ((يُبعث كل عبد على ما مات عليه))، فمن جاءه الموت وهو من المسارعين السابقين بُعِث يوم القيامة من السابقين، فهنيئًا له قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:10، 11].
ألا فاتقوا الله أيها المؤمنون، واستجيبوا لربكم لعلكم تفلحون، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]. تعرّضوا لأسباب رحمة الله في هذا الشهر الكريم فإنها كثيرة لا يحصرها بيان، واعلموا أن الله تعالى يعطي فيه الكثير من الأجر على قليل العمل، ويتجاوز عن عظيم الذنب وكثير الزلل، وهذا كله من فضله وجوده وكرمه عز وجل ، فأعدّوا العدة لصيام هذا الشهر وقيام لياليه، والتنافس في عمل البر وأنواع الخير فيه، وتعرضوا لنفحات الرب الكريم في سائر أوقاته بالتماس مرضاته، واستكثروا فيه من أنواع الإحسان، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام، لا تحقروا معروفًا تبذلونه ولو كان قليلاً، ارحموا الضعفاء من اليتامى والنساء والمساكين، وأعطوا المحرومين، وأسعفوا المضطرين، وأغيثوا الملهوفين، وواسوا المنكوبين، وأكثروا من تلاوة القرآن، واشتغلوا بالذكر والدعاء، وانتصروا على ذواتكم وأنفسكم التي بين جنوبكم أولاً؛ لتتسلّموا زمام الريادة على أمم الأرض، وتنصروا على أعدائكم، صوموا عن الكذب والغيبة والنميمة، وترفّعوا عن الإفك والكذب والافتراء، واحذروا الغش والخداع والظلم، وتنزهوا عن نقص المكاييل وبخس الموازين، وتجافوا عن الربا والرشوة وغيرها من أنواع السُّحْت التي تمنع قبول الصدقة وإجابة الدعاء، فقد ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام: ((فأنى يستجاب لذلك؟!)).
أيها المسلمون، إن الصائم هو أحق الناس بالبعد عن الحيل الدنيئة والخطط الآثمة، وأولاهم بتجنب المعاملات الظالمة الجائرة، وأحذرهم من كل ما يُقسّي القلب، ويثبّط عن الطاعة، ويهوّن الوقوع في الإثم والمعصية، وينزع بركة الوقت، ويفوت الخير، مِن سهر على غير طاعة، أو نوم عن عبادة، أو سماع غناء أو مشاهدة أفلام ماجنة وصور عارية، قال : ((من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)).
ألا فاتقوا الله عباد الله، وبادروا بالأعمال الصالحة؛ فإنها التجارة الرابحة، واغتنموا حياتكم قبل انتهائها، وأعماركم قبل انقضائها، ونعمكم قبل زوالها، وعافيتكم قبل تحوّلها، ويسر أموركم قبل تبدلها، فهل تنتظرون إلا فقرًا مُنْسِيًا، أو غنى مُطْغِيًا، أو مرضًا مُفْسِدًا، أو هَرَمًا مُفَنِّدًا، أو موتًا مُجْهِزًا، أو الدجال فشرّ غائب يُنتَظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمرّ. فاستبقوا الخيرات ما دمتم في زمن الإمهال، وتزودوا بصالح الأعمال قبل الرحيل والانتقال، ومن مُدَّ له منكم في أجله وبلغ رمضان فليحمد الله على بلوغه، وليعمل فيه عمل من يظن أنه لن يبلغه مرة أخرى، واحذروا التسويف والتباطؤ والتكاسل، فإن الله غني عمن لم يفتقر إليه، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:15-17].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:183-185].


الخطبة الثانية
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وتوبوا إليه قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم ترزقوا وتنصروا وتجبروا.
أيها المسلمون، صح عنه أنه قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى))، وفي الصحيحين عنه أنه قال: ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ـ ولا يقبل الله إلا الطيب ـ فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلُوَّه ـ أي: مهْرَه ـ حتى تكون مثل الجبل))، وفي صحيح مسلم رحمه الله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ما نقص مال من صدقة))، وفيه أيضًا عن أبي أمامة قال: قال رسول الله : ((يا ابن آدم، إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف))، وفي الصحيحين عنه أنه قال: ((اتقوا النار ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)).
فأنفقوا ـ أيها المؤمنون ـ من مال الله الذي آتاكم وجعلكم مستخلفين فيه لينظر كيف تعملون، أنفقوا من طيبات ما كسبتم؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولا تيمّموا الخبيث منه تنفقون، فلن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [البقرة:272]، وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة:273]، وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39].
أيها المسلمون، يقول نبيكم عليه الصلاة والسلام: ((من فطّر صائمًا كان له مثل أجره)). وانطلاقًا من هذا الوعد النبوي الكريم الصادق فستقام مشروعات لتفطير الصائمين في عدة جوامع ومساجد في هذه المنطقة بإذن الله، فنهيب بكم ـ أيها المؤمنون ـ أن تغتنموا الفرصة، وتحتسبوا الأجر، وتشاركوا في ذلك بما تجود به أنفسكم ولو كان قليلاً، وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [المزمل:20]، وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:10، 11]، وننبهكم إلى أنه إن فاض شيء مما تجودون به بعد رمضان من مال أو تبرعات عينية فسيصرف في أوجه البر المختلفة، ولن يدخر أو يبقى عليه.






رد مع اقتباس
قديم 08-05-2010, 07:59 AM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو الحمزه المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي

خطبه للشيخ
حسين بن عمر محفوظ

ملخص الخطبة
1- خصائص وفضائل شهر رمضان. 2- الدليل على فرض الصوم والحكمة من مشروعيته. 3- مخالفات ومنكرات يقع فيها كثير من الناس في رمضان. 4- الحث على اغتنام ليالي رمضان.
الخطبة الأولى

فإن من رحمة الله سبحانه وتعالى الواسعة ولطفه بعباده المؤمنين أن جعل لهم في السنة موسمًا يتزودون فيه بأنواع الطاعات التي تقربهم إلى الله عز وجل، كي ينالوا رضوانه سبحانه وتعالى ويفوزوا بمرضاته ويسعدوا بجزيل ثوابه وكريم عطائه. ومن هذه المواسم التي جعل الله فيها الخير والبر والمعروف والإحسان موسم الصيام في شهر رمضان المبارك.
فها هو هذا الشهر الكريم على الأبواب يطل على المسلمين وهو حامل معه الخيرات والمسرات والبركات والسعادات. شهر في جنباته عبق الإيمان وشآبيب التقوى والإحسان، شهر التوبة والغفران، شهر الصيام والقيام، شهر الذكر والاستغفار وقراءة القرآن، إنه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.
يقول الله تعالى في محكم كتابه:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:183، 184].
ففي هذه الآية الكريمة بيان من الله سبحانه وتعالى لعموم المؤمنين أنه كتب عليهم ـ أي: فرض عليهم ـ الصيام كما فرضه على الذين من قبلهم. وقوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ترجِّي في حقهم وتوقّع منهم لا في حقه سبحانه وتعالى لأنه هو الآمر لهم.
وفي الآية دلالة على أن الصيام باعث على التقوى؛ ذلك أنه ـ أي: الصيام ـ مكفر للذنوب، ماح للخطايا، ومضيق لمسالك الشيطان، يدفع الصائم إلى مراقبة الله وخشيته، فكان الصوم جامعًا لكل أبواب الخير، مبعدًا الإنسان عن سفاسف الأمور ورذائلها، وهذا هو التقوى، لأن التقوى هو فعل المأمور واجتناب المحظور.
يقول الله سبحانه وتعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177].
فقوله تعالى: وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ إشارة إلى من توفرت فيهم تلك الصفات الحميدة والخصال المنيفة؛ فالتقوى جامع للخير كله.
ولذلك كان الصيام باعثًا من بواعث التقوى، دافعًا الصائم إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات والسيئات.
فيا عباد الله، إن شهر رمضان خصه الله بمزايا وفضائل عظيمة، يختص بها شهر رمضان عن سائر شهور العام، فحري بنا أن نغتنم قدومه وننتهز فرصة حلوله بين المسلمين، فهو شهر التقرب إلى الله بصالح الأعمال من صيام وقيام وزكاة وقراءة قرآن واعتكاف وتهجد وكف عن كل المحرمات وبعد عن المشتبهات.
وكذلك كان من عظيم فضل الله عز وجل وجزيل ثوابه أنه يهيئ لعباده الصائمين في شهر رمضان جو الطاعة، فيفتح الله سبحانه وتعالى أبواب الجنة والرحمة والسماء، ويغلق أبواب جهنم، ويقيد الشياطين ومردة الجن بالسلاسل والأغلال، وكل ذلك هيأه الله سبحانه وتعالى للصائمين؛ ليرغبوا في العمل الصالح ويقل اقترافهم للذنوب والمعاصي، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين)) أي: قيدت بالسلاسل. متفق عليه. وعند الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفِّدت الشياطين ومردة الجنّ، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)) حسنه الألباني.
فتصفد الشياطين ومردة الجن في هذا الشهر الكريم كي لا يغووا الصائمين فيزينوا لهم الباطل، ويتسببوا في صرفهم عن الطاعة، والتصفيد مأخوذ من الصفد وهو القيد والغل أي: تقيد الشياطين ومردة الجن في شهر رمضان بالسلاسل وتوثق بالأغلال فلا يستطيعون الخلاص منه، ولا يتمكنون من الوصول إلى الصائمين لإضلالهم وإغوائهم.
ومن مزايا هذا الشهر الكريم وخصائصه أن الله سبحانه وتعالى يجازي الصائمين جزاء لا يعلمه إلا هو، فعن أبي هريرة عن النبي قال: ((كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك)) متفق عليه.
ففي هذا الحديث ما يدل على عظيم فضل الله سبحانه وتعالى من وجوه:
الأول: أن جميع الأعمال الصالحة تضاعف أجورها، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإن جزاءه عند الله أعظم بغير حساب، والسر في ذلك أن الصوم صبر على الطاعة وصبر عن المعاصي والشهوات، والصابرون يوفيهم الله سبحانه وتعالى أجرهم يوم القيامة بغير حساب، كما قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].
الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أضاف الصيام إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، ففيه تشريف للصيام وتكريم للصائمين.
الثالث: أن الصائم يدع طعامه وشهوته من أجل الله وامتثالاً لأمره، وهذا باعث على تقوى الله وخشيته ومراقبته في السر والعلن.
الرابع: أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، والخلوف هو تغير رائحة الفم بسبب خلو المعدة من الطعام والشراب، وفي هذا تكريم للصائم ما بعده تكريم.
فيا أيها المسلمون، شهر بهذه الخصائص والمزايا والفضائل والنفحات الربانية، حري بنا أن نستقبله استقبالاً يليق بمقامه، ونستعد له استعدادًا يوافي جزيل خيراته وكريم عطاء الله وسجاياه وإحسانه، فلو لم يكن في هذا الشهر الكريم من الخير إلا أن فيه غفران ما تقدم من الذنوب لكفى، كما قال رسول الله : ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه من حديث أبي هريرة. فكيف وهو إلى جانب هذا يحمل معه كل تلك الخيرات والنفحات الإلهية؟!
فتأهبوا ـ يا عباد الله ـ للعمل الصالح في شهر رمضان، وشمروا عن ساعد الجد للاستعداد له بأنواع الطاعات والقربات.


الخطبة الثانية
أما بعد: فقد اعتاد كثير من الناس أن يجعلوا من شهر رمضان المبارك موسمًا لمضاعفة السيئات والاشتغال بالمنكرات والجلوس في مجالس اللهو واللعب والإكثار من القيل والقال، فمنهم من اعتاد النوم في النهار والسهر في الليل فيما لا يجدي ولا ينفع، بل مضرته على الإنسان في دينه ودنياه ظاهر ومعلوم.
فنرى في شهر رمضان المبارك كثيرا من الصائمين يشتغل بلعب البطة أو الدمنة أو الكيرم أو الشطرنج بحجة قتل الوقت زعموا، وما علم هؤلاء المساكين أنهم إنما يقتلون أعمارهم فيما لا طائل فيه، وأنهم يعدون سيئاتهم بدلاً من أن يعدوا حسناتهم.
وإنّ مما عمت به البلوى بين المسلمين انشغال الناس عن الطاعة في هذا الموسم العظيم الذي ينبغي أن يكون فرصة لتصحيح المسارات الخاطئة من حياة الإنسان المذنب العاصي، ولكننا نرى الأمر عكس ذلك، فإذا بنا نشاهد كثيرًا من الصائمين أضاعوا لياليهم بالسهر أمام شاشات الفضائيات العربية، والتي تفننت في الملهيات ووسائل المغريات المتنوعة، وتخصصت في الوقيعة بالناس في شراك إبليس وحبائل الشيطان الرجيم والعياذ بالله.
انشغل الناس عن القرآن والقيام والذكر والاستغفار إلى متابعة فوازير رمضان ومسابقاته التي تحمل معها الغثاثة الفكرية واللوثة العقدية، ناهيك عن المسلسلات الهابطة والأفلام الخليعة والمسلسلات المتبذلة والأغاني الماجنة والتمثيلات الشيطانية، والتي كانت سببًا في خراب الأمم والشعوب وتدميرًا للأخلاق والسلوك، فقاتل الله هؤلاء القائمين بأمر هذه القنوات الفضائية؛ كيف جعلوا من شهر رمضان موسمًا للازدياد من المعاصي بدلاً من أن يكون موسمًا للتزود من الطاعات؟! فصار استعداد هذا الصنف من الناس ـ لا كثرهم الله ـ هو تضييع الوقت بهذه الرذائل والسفاسف التي تعود على المسلمين بالويلات والمصائب، فإلى الله المشتكى.
فاعلموا ـ يا عباد الله ـ أن صيامنا يجب أن يكون عن كل المفطرات الحسية والمعنوية، فكما نصوم عن الطعام والشراب والشهوات الواجب علينا أن نصوم عن المحرمات، فالصيام وقاية لصاحبه من النار، كما جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله أن النبي قال: ((إنما الصيام جنة ـ أي: وقاية لصاحبه من المعاصي ـ يستجن بها العبد من النار)) رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح.
فيجب عليك أن تصوم جوارحك عن الحرام، فلا تنظر إلى الحرام، ولا تستمع إلى الحرام، ولا تبطش بيدك الحرام، ولا تخط إلى الحرام، فقد قال رسول الله فيما يرويه عن ربه عز وجل: ((وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم)) رواه البخاري من حديث أبي هريرة .
وقد فسر الرفث بفحش القول والعمل، وقيل: إن المراد بالرفث الجماع ومقدماته، ولا شك أن كل ذلك منهي عنه حال الصيام، والصخب هو الصياح والخصومة في الدين أو الدنيا.
فاتقوا الله عباد الله، ولا تصيروا شهر رمضان شهر ذنب وعصيان، بل اجعلوه موسم طاعة وتوبة وقراءة قرآن وذكر وتسبيح وصدقة وقيام، تسعدوا في الدارين، واستقبلوه بالعمل الصالح تفوزوا برضا الرحمن. والحمد لله رب العالمين.







رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags - تاق )
خطب مجمعه،رمضان


أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd diamond
Ads Management Version 3.0.0 by Saeed Al-Atwi
  تصميم الستايل علاء الفاتك   http://www.moonsat.net/vb